البلابل التي رباها البوم
أنبئت أن سليمان الزمان ومن = أصبى الطيور، فناجته، وناجاها
أعطى بلابله يوماً –يؤدبها = لحرمة عنده- للبوم يرعاها
واشتاق يوماً من الأيام رؤيتها = فأقبلت وهي أعصى الطير أفواها
أصابها العي، حتى لا اقتدار لها = بأن تثبت نبي الله شكواها
فنال سيدها من دائها غضب = وود لو أنه بالذبح داواها
فجاءه الهدهد المعهود معتذراً = عنها، يقول لمولاه ومولاها:
بلابل الله لم تخرس، ولا ولدت = خرساً، ولكن بوم الشئوم رباها
الديك الهندي والدجاج البلدي
بينا ضعاف من دجاج الريف = تخطر في بيت لها طريف
إذ جاءها هندي كبير العرف = فقام في الباب قيام الضيف
يقول: حيا الله ذي الوجوها = ولا أراها أبداً مكروها
أتيتكم أنشر فيكم فضلي = يوماً، وأقضي بينكم بالعدل
وكل ما عندكم حرام = علي، إلا الماء، والمنام
فعاود الدجاج داء الطيش = وفتحت للعلج باب العش
فجال فيه جولة المليك = يدعو لكل فرخة وديك
وبات تلك الليلة السعيده = ممتعاً بداره الجديده
وباتت الدجاج في أمان = تحلم بالذلة والهوان
حتى إذا تهلل الصباح = واقتبست من نوره الأشباح
صاح بها صاحبها الفصيح = يقول: دام منزلي المليح!
فانتبهت من نومها المشئوم = مذعورة من صيحة الغشوم
تقول: ما تلك الشروط بيننا = غدرتنا والله غدراً بينا!
فضحك الهندي حتى استلقى = وقال: ما هذا العمى يا حمقى؟!
متى ملكتم ألسن الأرباب؟ = قد كان هذا قبل فتح الباب!
العصفور والغدير المهجور
ألم عصفور بمجرى صاف = قد غاب تحت الغاب في الألفاف
يسقي الثرى من حيث لا يدري الثرى = خشية أن يسمع عنه، أو يرى
فاغترف العصفور من إحسانه = وحرك الصنيع من لسانه
فقال: يا نور عيون الأرض = ومخجل الكوثر يوم العرض
هل لك في أن أرشد الإنسانا = ليعرف المكان والإمكانا؟
فينظر الخير الذي نظرت = ويشكر الفضل كما شكرت؟
لعل أن تشتهر بالجميل = وتنسى الناس حديث النيل؟
فالتفت الغدير للعصفور = وقال يهدي مهجة المغرور
يأيها الشاكر دون العالم = أمنك الله يد ابن آدم
النيل –فاسمع، وافهم الحديثا- = يعطي، ولكن يأخذ الخبيثا
من طول ما أبصره الناس نسى = وصار كل الذكر للمهندس
وهكذا العهد بود الناسي = وقيمة المحسن عند الناس
وقد عرفت حالتي، وضدها = فقل لمن يسأل عني بعدها
إن خفى النافع فالنفع ظهر = يا سعد من صافى، وصوفي، واستنر
الأفعى النيلية والعقربة الهندية
وهذه واقعة مستغربه = في هوس الأفعى وخبث العقربه
رأيت أفعى من بنات النيل = معجبة بقدها الجميل
تحتقر النصح، وتجفو الناصحا = وتدعي العقل الكبير الراجحا
عنت لها ربيبة السباخ = تحمل وزنيها من الأوساخ
فحسبتها –والحساب يجدي- = ساحرة من ساحرات الهند
فانخرطت مثل الحسام الوالج = واندفعت تلك كسهم زالج
حتى إذا ما أبلغتها جحرها = دارت عليه كالسوار دورها
تقول: يا أم العمى والطيش = أين الفرار يا عدو العيش؟
إن تلجي فالموت في الولوج = أو تخرجي فالهلك في الخروج
فسكتت طريدة البيوت = واغترت الأفعى بذا السكوت
وهجعت على الطريق هجعه = فخرجت ضرتها بسرعه
ونهضت في ذروة الدماغ = واسترسلت في مؤلم التلداغ
فانتبهت كالحالم المذعور = تصيح بالويل، وبالثبور
حتى وهت من الفتاة القوه = فنزلت عن رأسها العدوه
تقول: صبراً للبلاء، صبرا = وإن وجدت قسوة فعذرا
فرأسك الداء، وذا الدواء = وهكذا فلتركب الأعداء
من ملك الخصم ونام عنه = يصبح يلقى ما لقيت منه
لولا الذي أبصر أهل التجربه = مني لما سموا الخبيث عقربه
السلوقي والجواد
قال السلوقي مرة للجواد = وهو إلى الصيد مسوق القياد
بالله قل لي يا رفيق الهنا = فأنت تدري لي الوفا في الوداد
ألست أهل البيد، أهل الفلا = أهل السرى والسير، أهل الجهاد؟
ألم تكن رب الصفات التي = هام بها الشاعر في كل واد؟
قال: بلى، كل الذي قلته = أنا به المشهور بين العباد
قال: فما بالك يا صاحبي = إذا دعا الصيد، وجد الطراد
تشكو، فتشكيك عصا سيدي = إن العصا ما خلقت للجواد
وتنثني في عرق سائل = منكس الرأس، ضئيل الفؤاد
وذا السلوقي أبداً صابر = ينقاد للمالك أي انقياد؟
فقال: مهلاً يا كبير النهى = ما هكذا أنظار أهل الرشاد
السر في الطير وفي الوحوش لا = في عظم سيقانك يا ذا السداد
ما الرجل إلا حيث كان الهوى = إن البطون قادرات شداد
أما ترى الطير على ضعفها = تطوي إلى الحب مئات البلاد؟
فأر الغيط وفأر البيت
يقال: كانت فأرة الغيطان = تتيه بابنيها على الفيران!
قد سمت الأكبر نور الغيط = وعلمته المشي فوق الخيط
فعرف الغياض والمروجا = وأتقن الدخول والخروجا
وصار في الحرفة كالآباء = وعاش كالفلاح في هناء
وأتعب الصغير قلب الأم = بالكبر، فاختارت بما تسمى
فقال سميني بنور القصر = لأنني –يا أم- فأر العصر
إني أرى ما لم ير الشقيق = فلي طريق، وله طريق
لأدخلن الدار بعد الدار = وثباً من الرف إلى الكرار
لعلني إن ثبتت أقدامي = ونلت –يا كل المنى- مرامي
آتيكما بما أرى في البيت = من عسل، أو جبنة، أو زيت
فعطفت على الصغير أمه = وأقبلت من وجدها تضمه
تقول: إني –يا قتيل القوت- = أخشى عليك ظلمة البيوت
كان أبوك قد رأى الفلاحا = في أن تكون مثله فلاحا
فاعمل بما أوصي ترح جناني = أو لا، فسر في ذمة الرحمن
فاستضحك الفأر، وهز الكتفا = وقال: من قال بذا قد خرفا
ثم مضى لما عليه صمما = وعاهد الأم على أن تكتما
فكان يأتي كل يوم جمعه = وجبنة في فمه، أو شمعه
حتى مضى الشهر، وجاء الشهر = وعرف اللص، وشاع الأمر
فجاء يوماً أمه مضطربا = فسألته: أين خلي الذنبا؟
فقال: ليس بالفقيد من عجب = في الشهد قد غاص، وفي الشهد ذهب
وجاءها ثانية في خجل = منها يدارى فقد إحدى الأرجل
فقال: رف لم أصبه عالي = صيرني أعرج في المعالي
وكان في الثالثه ابن الفاره = قد أخلف العادة في الزياره
فاشتغل القلب عليه، واشتعل = وسارت الأم له على عجل
فصادفته في الطريق ملقى = قد سحقت منه العظام سحقا
فناحت الأم، وصاحت: واها! = إن المعالي قتلت فتاها
ملك الغربان وندور الخادم
كان للغربان في العصر مليك = وله في النخلة الكبرى أريك
فيه كرسي، وخدر، ومهود = لصغار الملك أصحاب العهود
جاءه يوماً ندور الخادم = وهو في الباب الأمين الحازم
قال: يا فرع الملوك الصالحين = أنت مازلت تحب الناصحين
سوسة كانت على القصر تدور = جازت القصر، ودبت في الجدور
فابعث الغربان في إهلاكها = قبل أن نهلك في أشراكها
ضحك السلطان من هذا المقال = ثم أدنى خادم الخير، وقال:
أنا رب الشوكة الضافي الجناح = أنا ذو المنقار، غلاب الرياح
"أنا لا أنظر في هذي الأمور" = أنا لا أبصر تحتي باندور!
ثم لما كان عام بعد عام = قام بين الريح والنخل خصام
وإذا النخلة أقوى جذعها = فبدا للريح سهلاً قلعها
فهوت للأرض كالتل الكبير = وهوى الديوان، وانقض السرير
فدها السلطان ذا الخطب المهول = ودعا خادمه الغالي يقول:
يا ندور الخير، أسعف بالصياح = ما ترى ما فعلت فينا الرياح؟
قال: يا مولاي، لا تسأل ندور = "أنا لا أنظر في هذي الأمور"
الظبي والعقد والخنزير
ظبي رأى صورته في الماء = فرفع الرأس إلى السماء
وقال يا خالق هذا الجيد = زنه بعقد اللؤلؤ النضيد
فسمع الماء يقول مفصحا = طلبت يا ذا الظبي ما لن تمنحا
إن الذي أعطاء هذا الجيدا = لم يبق في الحسن له مزيدا
لو أن حسنه على النحور = لم يخرج الدر من البحور
فافتتن الظبي بذي المقال = وزاده شوقاً إلى اللآلي
ولم ينله فمه السقيم = فعاش دهراً في الفلا يهيم
حتى تقضى العمر في الهيام = وهجر طيب النوم والطعام
فسار نحو الماء ذات مره = يشكو إليه نفعه وضره
وبينما الجاران في الكلام = أقبل راعي الدير في الظلام
يتبعه حيث مشى خنزير = في جيده قلادة تنير
فاندفع الظبي لذاك يبكي = وقال من بعد انجلاء الشك
ما آفة السعي سوى الضلال = ما آفة العمر سوى الآمال
لولا قضاء الملك القدير = لما سعى العقد إلى الخنزير
فالتفت الماء إلى الغزال = وقال: حال الشيخ شر حال
لا عجب؛ إن السنين موقظه = حفظت عمراً لو حفظت موعظه