الإذاعة المدرسية

بينما أنا جالس في العمل ، إذا بي أسمع صوت طالبة صغيرة تقوم بإلقاء كلمة بنشاط محموم يدل عليه حماسها الصوتي المميز للطلبة ، و التقطت أذناي من بين ضجيج السيارات و المشاة جملة ( صدق رسول الله صلى الله عليه و سلم )
فعرفت أنها الإذاعة المدرسية ، و تابعت باهتمام و صفيت الأصوات ، فكانت بعض العبارات تصلني ، فتأكدت من كونها هي الإذاعة المدرسية

و الإذاعة المدرسية فن من فنون الأدب المدرسي الجميل ، الذي شعرت بالحنين الجارف تجاهها حينما تواردت على مسامعي عبارات تلك الطالبة المتحمسة بحماس المذيعة المدرسية.

و هذا الفن الأدبي الرفيع هو أدب عربي خالص ، و إن كانت نشأته مصرية.

و كان في عهدي يقوم فريق المثقفين في الفصل و محبي المعلومات بتكوين المواد التي سيتم إلقاؤها

و كانوا يختارون في البداية الطالب فلان الفلاني لأن صوته جميل و شجاع في قراءة القرآن الكريم

و يليه الحديث الشريف ، و بالطبع لم تكن لنا عناية فضلاً عن المعرفة أصلاً بالحديث الضعيف و الصحيح ، فلم يكن منهج السنة المباركة منتشراً كهذه الأيام.

و بعد ذلك يكون الأخبار المهمة ، خبرين أو ثلاثة.

ثم حكمة اليوم ، و كان الطلاب يتنافسون في جلب الحكم المبهرة الملفتة للنظر حتى تنال إذاعتهم إعجاباً أكثر من باقي الفصول.

و فقرة هل تعلم أن ؟
و التي كانت تجمع الحقائق العلمية الغريبة و المستطرفة خصوصاً عن الحيوانات و الكرة الأرضية و الفضاء الخارجي و جسم الإنسان

و بعضهم كان يضيف فقرة ( حدث في مثل هذا اليوم )

و بعضهم كان يعمل لقاءات مع مدرس محبوب في المدرسة و يسألونه عن نصائح مفيدة للمذاكرة و من الطالب المميز لديك و ماذا عندك من مواقف طريفة

و أذكر أني مرة قرأت شعراً من تأليفي عن حرب مصر و العرب معها في العاشر من رمضان في السنة الأخيرة من المرحلة الإعدادية

و تلوت القرآن مرات قليلة جداً بالغصب من زملائي ، لأني كنت أهاب الحضور الكثيف للناس
حتى أني طلب مني ذات يوم تمثيل شخصية سعد زغلول و أنا في السنة الإبتدائية الرابعة ، فكدت أذوب من الهلع ، أمام مسؤول كبير، لكن تم إلغاء الحفل قبل فقرتي ، و حمدت الله جداً.

و كذلك يوم أن كرمني الدكتور فتحي سرور لما كان وزير التربية و التعليم في المرحلة الإبتدائية. ، كاد قلبي يطير عند مصافحته من الخوف.
فأنا كنت من الأشخاص الذين يهابون الحضور الكثيف.

و الإذاعة المدرسية فن يجمع بين عدة فنون
فن الإلقاء
فن الشعر
ترتيل القرآن
فن جمع المعلومات

و كان هناك طالب أو طالبة يقوم بتوزيع الأدوار ،
يا فلان أنت عليك الحكمة ، وريني هتقول إيه؟!!

يا فلان هل حفظت القرآن جيداً؟

و هذا الموزع يتمتع بالنشاط العالي و حسن الإدارة و غالباً ما يكون أمين الفصل أو الأمين المساعد
أو طالبة لِمضة كما يصفها المصريون.
و هذه الصفة تقال لمن يحسن الكلام و يفاجئك بعبارات قوية لا تستطيع الرد عليها
و لا يمكن أن ينتهي الحوار بينك و بينها إلا بالهزيمة النفسية النكراء حتى لو كان الحق في صفك ، لأنها تتمتع بصفة اللماضة بقوة.

و هذا الموزع في الأدوار هو من يقوم بإلقاء مقدمة الإذاعة
ثم تقديم كل شخص باسمه و ما سيقدمه من مادة

مثلاً

و الآن مع تلاوة آيات من الذكر الحكيم و ما تيسر من سورة المؤمنون بقراءة الطالب إبراهيم جميل

و كان بعض الإذاعيين من الطلبة يقومون بعمل فقرة حوارية بين طالبين عن موضوع ما ، فيندهش الطلاب المستمعون لهذه الفكرة الجديدة في الإذاعة المدرسية و يحيونها بحماس و يحاولون تقليدها

و كان هناك بعض الإذاعيين يقومون بعمل مسابقات فيلفتون النظر أكثر لهم

و كان هنا فقرتان ثابتتان
فقرة الافتتاح و فقرة الختام بالقرآن الكريم
فيقول الملقي
و خير ما ( نفتتح / نختم ) به إذاعتنا ما تيسر من القرآن الكريم يتلوه عليكم الطالب فلان الفلاني

و لما كنت في المملكة السعودية ، عجبت للإذاعة المدرسية حين سمعت فيها فقرة كروية محضة ، المذيع يعلق فيها على مباراة بين فريقين
فلا أدري هل هي من مكونات الإذاعة ، أم أنه نشاط رياضي و له معلق رياضي متحمس للغاية ؟

المهم أني لازالت بداخلي ذكريات جميلة عن الإذاعة و لا زال هناك حنين لهذا الزمن الجميل ، و الذي أثار حنيني هو ما سمعته الآن من طالبة تذيع الإذاعة المدرسية ، فأحببت مشاركتكم هذه المشاعر الطفولية الجميلة.

و حياكم الله جميعاً