اليوم السابع


اليوم السابع





أنا شابة في الثالثة والعشرين من عمري‏,‏ ارتبطت وأنا في السادسة عشرة عاطفيا بشاب يكبرني بعشر سنوات‏,‏ وخلال هذا الارتباط سافر الي فرنسا للحصول علي الدكتوراه ,‏ ورجع بعد ثلاث سنوات ظافرا بها ومقيما علي الحب الذي بيننا ,‏ ثم تمت خطبتنا وبدأنا حياتنا الزوجية معا وأنا في الحادية والعشرين من عمري‏,‏ ومن اليوم الأول أدركت انني قد تزوجت من رجل تتمناه كل فتاة في مثل سني‏,‏ وعاهدت نفسي أن أهبه كل مافي طاقتي من حب وحنان‏,‏
والحق أني قد شعرت بانني أعيش في حلم جميل من اليوم الأول فقد نشات في بيت يسوده الوئام والحب‏..‏ وتتعاون فيه أمي مع أبي في كل شيء ‏
فكان تساؤلي دائما هو‏:‏ هل تستمر الحياة وردية اللون هكذا‏,‏ كما بدت لي طوال السنوات الماضية؟ ولم يتأخر الجواب عني كثيرا فبعد ستة أيام من الزفاف الجميل ..‏ ارتفعت درجة حرارتي وزرت الطبيب فشخص حالتي بانها التهاب في المثانة ووصف لي العلاج وفي اليوم السابع صحوت من نومي وأنا أشعر بتنميل غريب في قدمي الاثنتين‏..‏ فظننته في البداية تنميلا عاديا لكن التنميل استمر‏..‏ وازداد‏..‏ وحاولت النهوض فشعرت بعدم قدرتي علي الحركة‏..‏ وبعد الفحص الطبى اكتشفت اصابتي بفيروس في النخاع الشوكي‏,‏ وهو مرض إذا اصاب الجسم فانه يبدأ بفقد الاحساس في الاطراف السفلي ثم يتصاعد فيه الي ان يصل الي المخ‏..,‏ ونتائجه تتراوح بنسب متكافئة بين الشلل التام لكل الجسم أو الموت أو الشفاء منه بعد عناء طويل وعلاج مضن‏.‏
وتم نقلي الي المستشفي وخلال وجودي في حجرة الاستقبال اقترب مني زوجي وأنا في شدة الخوف والاضطراب‏..‏ ثم همس في أذني ببضع كلمات يحثني فيها علي الصبر والتحمل‏..‏ والشجاعة‏,‏ ويقول لي إن هذه هي أول شدة تواجهنا معا‏,‏ وسوف نصمد لها ونجتازها بالصبر والتحمل والايمان‏..‏ فهدأت نفسي بعض الشيء‏,‏ وامتثلت لأقداري وأمضيت الليلة الثامنة لي بعد الزفاف في المستشفي‏..‏ وليس في عش الزوجية‏..‏ وبدأ علاجي علي الفور بالكورتيزون ولمدة‏5‏ أيام متصلة علي مدي‏24‏ ساعة‏..,‏ وأمي تبكي وأبي ينطق وجهه بالألم‏..‏ وإخوتي مضطربون‏..‏ وزوجي يحاول التماسك أمامي ولا يكف عن تشجيعي وشد أزري‏..,‏ والأطباء يقولون لي ان الاكتشاف المبكر لحقيقة المرض سوف يساعد باذن الله علي تحقيق نتائج طيبة للعلاج‏.‏
ومضت أيام المستشفي ثقيلة وطويلة‏..‏ وذات يوم وجدت أصبعا في قدمي اليمني تتحرك فبكيت لأول مرة ‏..‏ ونبهت الطبيب اليه فسعد بذلك جدا‏,‏ وقال لي إن هذا دليل علي وجود حياة بالعصب‏,‏ وعلي أن العلاج بالكورتيزون قد بدأ يؤتي أثره‏.‏
وبالرغم من الاعياء الذي كنت أشعر به من تأثير الأدوية المستمرة‏,‏ فقد وجدت في نفسي رغبة قوية في الاستذكار وأداء امتحان السنة الثالثة بكليتي‏,‏ ,‏ وبدأت وأنا في المستشفي في الاستعداد للامتحان ..‏ وخلال وجودي بالمستشفي جاء عيد الأضحي‏..‏ وشاهدت في التليفزيون الحجيج وهم يطوفون بالكعبة المشرفة‏..‏ فتذكرت يوم طفت حولها علي قدمي مثلهم‏..‏ وكيف قبلت فيها الحجر الأسعد‏..‏ فانهمرت دموعي بغزارة وبكيت طويلا‏,‏ وراح من حولي يحاولون التخفيف عني‏..‏
ثم جاء يوم خروجي من المستشفي‏..‏ وبالرغم من انني غادرته فوق كرسي متحرك إلا انني كنت سعيدة لانني سأرجع الي بيتي ومملكتي التي لم أهنأ بها سوي أسبوع واحد‏..,‏ ورغبت أمي ان انتقل من المستشفي الي بيت اسرتي لكي ترعانى ولسبب آخر هو ان فقدي الاحساس بالنصف السفلي من جسمي‏,‏ قد افقدني القدرة علي التحكم في الاخراج فرغبت أمي ألا يري مني زوجي الشاب ماقد اخجل أنا من أن يراه أو مايتناقض مع صورة العروس الجميلة التي تزوجها‏..‏ لكني وصممت علي أن اغادر المستشفي الي بيتي وقلت لأمي إنني أريد أن أري كيف سيقف زوجي الي جواري في هذه المحنة وهل سيقبلني في حالة المرض بنفس الروح التي يتقبلني بها في حالة الصحة أم لا..ورجعت الي بيتي الصغير عاجزة عن المشي‏,‏ ووجهي منتفخ وتنتشر فيه البثور من أثر الأدوية‏,‏ وتقبلت حياتي الجديدة بشجاعة ورضا وتمسكت بالأمل في الشفاء الكامل والعودة الي الحركة والنشاط ذات يوم قريب أو بعيد ووجدت في زوجي كل ماتمنيته فيه من حب ومساندة ورعاية وحنان‏.‏
واستكملت العلاج في البيت وبذل زوجي وأمي وأبي كل مافي وسعهم للعناية بي‏,‏ اما اختي التي تصغرني بست سنوات فقد راحت تحملني من مكان لمكان وكأنها اختي الكبري‏,‏ وأمي وليست الأخت الصغيرة‏..‏
وتقدمت الي الامتحان وأنا علي الكرسي المتحرك ونجحت فيه بحمد الله وتوفيقه‏..‏
ثم بدأت لأول مرة في المشي قليلا بمساعدة المشاية داخل البيت‏..,‏ وتزايد الأمل في الشفاء التام في نفوسنا وأشرقت البهجة علينا‏..‏ فاذا بي أصاب فجأة بمرض جلدي في كتفي راح يسبب لي آلاما رهيبة ضاعفت من معاناتي‏..‏ وتبين من الفحص انه مرض ينتج عن فيروس كامن في الجسم لكنه لاينشط إلا إذا ضعفت مناعة الجسم ويكون ظهوره علي شكل بقعة في الجلد يشعر الانسان فيها بشكشكة إبر حادة مؤلمة ولا علاج لها إلا بالمسكنات‏..‏ ومضت الأيام وأنا أعاني من آلام وأحزان لاقبل لي بها‏..‏ ‏,‏ وفي اليوم الذي اشتد بي فيه الحزن علي نفسي اراد الله سبحانه وتعالي ان يذكرني بنعمته علي ويخفف عني احزاني‏..‏ فإذا بي اكتشف انني حامل‏!‏ وإذا بمشاعري تتضارب بين السعادة بهذا الحمل والقلق بشأنه‏,‏ وكان مبرر القلق عندي هو انني فاقدة الاحساس بنصفي الأسفل جزئيا‏..‏ فكيف سأشعر بما تشعر به الحامل خلال شهور الحمل‏..,‏ وهل ستؤثر اطنان الأدوية التي تناولتها علي الجنين‏..,‏ وهل سيجيء الي الحياة صحيحا معافي أم متأثرا بسموم الدواء؟
ونصحتني أمي بالتخلص من الجنين لأني لن استطيع احتمال آلام المرض الجلدي ومتاعب الحمل مع أثار الأدوية التي تناولتها‏..‏ ‏..‏ لكني تمسكت بجنيني باصرار‏,‏ وقلت لأمي إنني سأتوقف عن تناول المسكنات‏,‏ وسوف اتحمل آلام المرض الجلدي‏,‏ ومتاعب الحمل صابرة‏,‏ ولن أفرط في جنيني ..‏
وتوقفت بالفعل عن المسكنات‏,‏ وعانيت الآلام الجلدية المبرحة‏..‏ حتي كانت أمي تمزق من فوق كتفي بلوزاتي وفساتيني لأنني لااطيق ملمس أي شيء فوق البقعة الجلدية المصابة‏..,فهل تعرف ماذا فعل بي هذا الحمل الذي توجست منه أمي وابي وزوجي اشفاقا علي من متاعبه‏,‏ ومما قد يحمله لي المستقبل من جنين ضعيف أو مشوه بسبب الأدوية؟
لقد تحسنت قدرتي علي الحركة والمشي خلال شهور الحمل بدرجة ملحوظة‏..‏ زقال الاطباء ان سبب هذا التحسن هو الحمل لأنه يساعد علي الشفاء من فيروس النخاع الشوكي حتي إن الأطباء في أمريكا يعالجونه بدواء مستخلص من مشيمة الجنين‏.‏
ولقد غرس الله في أحشائي هذا الدواء الطبيعي من حيث لا أدري ولا أحتسب فتحسنت قدرتي علي المشي والحركة‏,‏ بدرجة كبيرة ولم يبق إلا المثابرة علي العلاج الطبيعي ليطرد التحسن والتقدم‏!‏
ثم توالت علي بعد ذلك جوائز السماء للصابرين ‏..‏ فخفت آلام المرض الجلدي تدريجيا‏,‏ وشعرت بمقدمات الحمل كأي أنثي عادية‏,‏ وتمت الولادة بطريقة طبيعية تماما‏,‏ ورزقني الله بطفلة صحيحة الجسم وطبيعية جميلة وكثيرة الحركة‏,‏ وامضيت ثلاثة أشهر في بيت اسرتي اعانتني خلالها أمي في رعاية طفلتي ثم رجعت الي بيتي فوجدت في زوجي خير معين لي علي العناية بها‏,‏ واستذكرت خلال ذلك دروس العام الأخير لي بالكلية‏,‏ وتقدمت للامتحان علي كرسي متحرك ايضا‏,‏ وحصلت علي شهادتي بتقدير جيد‏,‏ فأي نعم وأي جوائز أكبر مما غمرني به الله من فضله ونعمه؟
لقد مر عامان الآن ياسيدي علي بداية هذه المحنة‏..‏ ومازلت اواصل العلاج الطبيعي ولقد أصبحت بفضله أحسن حالا‏..‏ أما زوجي فأي كلمات استطيع ان أقولها لكي افيه حقه من الشكر والثناء‏..‏ لقد اجتزنا المحنة معا‏,‏ كما وعدني في اليوم الأول من المرض‏,‏ ولم يتخل عني لحظة واحدة خلالها‏..‏ ولم تتغير مشاعره نحوي وهو يراني في حال تتناقض مع صورة العروس الشابة في مخيلته‏,‏ ولم يأنف من مساعدتي فيما قد يأنف البعض منه أو يخجلون‏,‏ فماذا أقول له وعنه‏..‏ وماذا أقول عن أبي وأمي واخوتي وكل احبائي‏,‏ سوي ان أدعو الله لهم جميعا أن يمتعهم بصحتهم جميعا ويمن عليهم بالسعادة وكل جوائز السماء‏..‏
إنني وان كنت لم أبلغ بعد مرحلة الشفاء التام إلا انني علي يقين من ان الله سبحانه وتعالي سينعم علي به مهما طال الانتظار كما انعم علي من قبل بالنجاة من مضاعفات المرض‏..‏ وباستعادة القدرة نسبيا علي المشي وكما انعم علي بطفلتي وبحب زوجي وأمي وأبي واخوتي واحبائي