أبوظبي الحوار وقيادات الثقافة

أكثر من ثلاثمائة من القيادات الثقافية من ثمانين دولة، هم من المؤثرين الثقافيين والفنيين في العالم، اجتمعوا يوم أمس في منارة السعديات في أبوظبي اجتماعاً غير تقليدي، وفي الوقت نفسه ليس لقاءً ثقافياً كالمعتاد، ليس هدفه النقاش والتنظير، ولا الجدال والتعليق، وفي الوقت نفسه ليس غايته فقط سماع موسيقى الشعوب ولا فنون الأمم، وإنْ كان كل ذلك سيكون حاضراً ضمن جلسات وخلال أيام القمة التي تستمر حتى الخميس المقبل، إلا أن الهدف الأكبر والأبعد الذي تسعى إليه أبوظبي ودولة الإمارات هو إعلاء صوت الفن ونشر لغة الثقافة بين شعوب العالم، وذلك لسبب عميق وبعيد، وهو مواجهة كل محاولات الصدام بين الحضارات والأمم، وجعل الفن والثقافة بديلاً للتطرف والإرهاب، فقد أثبتت لنا الأيام أن الفنون قادرة على جمع البشر بمختلف أجناسهم وأعراقهم وجنسياتهم ولغاتهم، وهذا ما تعجز عنه السياسة والدبلوماسية وحتى المال، أو أي شيء آخر، فلا يختلف شخصان مهما كانا ومن أين جاءا على روعة مقطوعة موسيقية، ولا على جمال لوحة فنية، فلغة الجمال واحدة، ومؤشرات المشاعر لا تختلف بين البشر.ستعمل القيادات الثقافية العالمية، من خلال جلسات هذه القمة في الإمارات، على أن تقدم كل ما من شأنه أن يجمع شعوب العالم، وسيتحدثون بطريقة تجعلهم يصلون إلى فكرة مشتركة حول كيفية مواجهة التطرّف والإرهاب في العالم.. بالثقافة والفكر والفن والإبداع والابتكار تتم مواجهة التحديات.وأمس أطلق الشيخ هزاع بن زايد برنامجاً لتنمية المواهب، يستهدف طلاب المدارس المتميزين فنياً، وهذه بذرة إماراتية جديدة ضد التطرف، ومن أجل خير البشر.لا يخفى على أحد أن الإرهاب ليس هدفه تدمير المباني المعمارية، ولا البنية التحتية، وإنما يستهدف بالدرجة الأساسية الإرث الثقافي والمفاهيم الإنسانية، فـ”القاعدة” و”طالبان” ومن بعدهما “داعش”، وغيرهم، لم يألوا جهداً في هدم الآثار الإنسانية العريقة والشواهد الإنسانية العظيمة، فهم لا يعترفون بها لأنها تعتبر خطراً عليهم، وبوجودها لا يستطيعون نشر أفكارهم الإقصائية والعنصرية، كما نذكر جميعاً تصريحات أتباع الإسلام السياسي خلال فترة حكم الإخوان المسلمين في مصر منذ سنوات عندما سئل أحدهم عن أبو الهول والأهرامات، وقال إنه لا بد من هدمها لأنها أصنام!!العالم أمام طوفان من الجهل والعنف والعنصرية، والتخريب يكبر ويتوسع وينتشر بسرعة، ولا بد أن تتم مواجهته، ولا تتم هذه المواجهة بالبندقية والدبابة، وإنما بالفكر والفن، وهما لا يكفيان إلا إذا اتفق مفكرو ومثقفو وفنانو العالم وعملوا معاً، فقد حان الوقت أن يتحد مثقفو وفنانو العالم في وجه الإرهاب والتطرف والعنف والعنصرية في كل مكان، فهذه الآفات تهدد البشرية بأسرها، واستمرارها يضعف من قوة العالم المتحضر.