مسار أمريكي جديد

مما لا شك فيه أن الضربة العسكرية المفاجئة التي استهدفت مطار الشعيرات العسكري السوري، رسمت مساراً جديداً للسياسة الأمريكية كما خلقت واقعاً مختلفاً لمستقبل الصراعات متعدد الأطراف في المنطقة والعالم.جاءت الضربة الجوية في نهاية أسبوع محتشدة بالأحداث الكبرى، شملت تفجيرات وأعمال عنف في أكثر من مدينة وعاصمة في العالم، لكنها ظلت أحداثاً هامشية ومتقزمة وخافتة بالمقارنة مع الضجيج العالي الذي أحدثه هجوم الغازات السامة على مدينة خان شيخون، والذي ترك قادة العالم يتعثرون وسط مشاعر الذنب والصدمة والارتباك جراء الخسائر البشرية الفادحة والعجز عن إقرار رد فعل مواز للحدث المزلزل من دون الإخلال بالتوازنات والموازنات التي تحكم الصراع وتحدد خطواته.الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كان وحده الذي تسلم زمام المبادرة وتخطى تردده ومضى مباشرة نحو الرد العسكري، دون أن يعبأ بما يمكن أن تقود إليه هذه الخطوة، الإدارات الأمريكية عادة ما تأخذ وقتها في ساعات الأزمات الطارئة ولا تتعجل اللجوء إلى خيارات القوة من دون أن تمهد لذلك طويلاً، وتخضع قراراتها لدراسات ومشاورات خبراء الأمن والدبلوماسية والجنرالات، ولا تحتسب هنا حالات استثنائية نادرة ظلت مثار شكوك، مثل حادث قصف مصنع الدواء في الخرطوم في عهد الرئيس الأسبق بيل كلينتون. لكن الأمر هذه المرة كان مختلفاً، فقد تم اتخاذ القرار بعد ساعات قليلة من وقوع الهجوم الكيميائي ومن دون التحقق الكامل من تورط النظام السوري أو الجماعات المعارضة في الجريمة، وحتى من دون اتصالات كما جرت العادة في السابق، لإبقاء الطرف الروسي محايداً.الأمر الأهم أن ترامب الذي أمر بضرب المطار العسكري السوري هو ذاته ترامب الذي كان يصنف النظام السوري حليفاً عسكرياً في الحملة العسكرية ضد “داعش” والمنظمات الإرهابية في سوريا والعراق. لكن “داعش” باتت تواجه الهزيمة أمام القدرات العسكرية وهي تضمحل وتتفكك وتخسر الأرض ولم تعد خصماً يعادل هذه الحشود العسكرية الهائلة، فهل كان تحويل نظام الأسد من قائمة الحلفاء إلى قائمة الأعداء ضمن خطة أمريكية معدّة سلفاً؟وهل تقف أهداف الضربة الجوية عند حدود الردع ووقف الانجراف نحو استخدام الأسلحة المحرمة في الصراع؟ أم تتطور إلى استراتيجية “قطع الرأس” وإطاحة النظام السوري ورئيسه؟ كما ألمحت لذلك الصحافة الروسية.من الجانب الآخر فقد ترافقت الضربة الجوية مع تصاعد حدة اللهجة الرسمية الأمريكية إزاء إيران وبرنامجها النووي ونفوذها في المنطقة. أما بالنسبة لكوريا الشمالية فقد حرّكت واشنطن أسطولاً من حاملة طائرات وسفن هجومية أخرى إلى قبالة سواحلها البحرية.