نحو رؤية خليجية مشتركة

دول الخليج العربية التي يجمعها مجلس التعاون، تنطبق عليها “نظرية القلب” للجغرافي الألماني ماكيندر. فمن يسيطر على هذا المنطقة يسهل عليه السيطرة على كل النظم المجاورة، وأهمها النظام الإقليمي العربي الذي، تشكل هذه المنطقة حدوده الشرقية لأمنه القومي ومجاله الحيوي. ونظراً لأهميتها الاستراتيجية والنفطية تشكل هدفاً مشتركاً لكل الدول الإقليمية المجاورة (إيران)، وعلى المستوى الدولي الولايات المتحدة وروسيا، كما كان حالها من قبل بالنسبة لبريطانيا. كلها تسعى للسيطرة عليها بكل الوسائل المتاحة، ولذا تشكل منطقة صراع وتجاذبات بين المصالح المتعارضة، وتحاول كل منها أن تجعل من المنطقة أولوية لأمنها ومصلحتها القومية، وخصوصا إيران التي تسعى لجعل المنطقة بكل حدودها منطقة نفوذ خاصة دونما اعتبار لمصالح دول المنطقة.تاريخياً كانت المنطقة مستهدفة من كل القوى، وحاولت الولايات المتحدة عبر استراتيجياتها المختلفة أن تثبت وجودها فيها، وتعتبرها منطقة مغلقة لها بدءاً من استراتيجية العمودين المتساندين مروراً باستراتيجية التدخل السريع إلى استراتيجية التواجد المباشر من خلال ما لها من تواجد عسكرى مباشر. وقبلها بريطانيا التي خضعت المنطقة كلها ولعقود طويلة لاستعمارها حتى 1971 وانسحابها منها، وبداية ما عرف بنظرية “فراغ القوة” حيث حاولت الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي وإيران ملئه، وقد عبرت الأخيرة عن ذلك باحتلالها جزر الإمارات الثلاث وهو احتلال لا يزال قائما حتى الآن. والاتحاد السوفييتي السابق كان دائما يطمح للوصول للمياه الدافئة للمنطقة.وفي أعقاب بروز تهديدات كثيرة، كالحركات الإرهابية، ومحاولات إيران تطويق المنطقة والتحكم بباب المندب، وتعاظم الدورين الروسي والأمريكي، ووضوح الطموحات التركية، كأنما المنطقة تحولت إلى جائزة كبرى تحاول كل هذه القوى الحصول عليها واستنزاف مواردها. في مواجهة ذلك، حصل بعد ما يسمى الربيع العربي، ومع غياب دور القوى العربية الكبرى، فراغ إقليمي أدخل المنطقة كلها في حالة من الخطر الذي يتهدد دولها. هذا الفراغ مطلوب من دول الخليج العربي أن تملأه وهي تعمل على ذلك ، نظرا لأنها الوحيدة التي كانت وما زالت قادرة على التعامل مع تداعيات هذه التحولات بما تملكه من عناصر القوة الشاملة، وأن تقوم بدور القوة المتوازنة. فالمنطقة تواجه اليوم أخطر مراحل الاستهداف التاريخي بحكم تغير موازين القوى الإقليمية والدولية، وبروز دور قوى كثيرة من خارج المنطقة.الأخطار في هذه المرحلة جسيمة ومراميها كثيرة. فى هذا السياق تأتي أهمية وجود استراتيجية خليجية كاملة تنطلق أولاً من العمل الخليجي الذاتي بهدف تفعيل السياسات الأمنية والعسكرية والتنسيق السياسي لمواجهة كافة القضايا والمشاكل التي تحيط بالمنطقة، فما يجري اليوم في العراق وسوريا لا يعني دولة دون أخرى، فالخطر واحد ومشترك ومن هنا أهمية بلورة سياسة مشتركة تشارك فيها كل دول مجلس التعاون، وتفعيل القوة الخليجية المشتركة، هذا يتطلب رؤية خليجية مشتركة لهذه الخطوات تقوم على الدور المحوري السعودية – الإمارات، مع تكامل دور الدول الأخرى، بتبني المفهوم الإيجابي للدولة المحورية في إطار هذه الرؤية. والركيزة الثالثة تفعيل الدور العربي بتوسيع دور الدول العربية الأخرى كمصر والأردن والمغرب من منطلق أن الأمن الخليجي في النهاية هو جزء لا يتجزأ من الأمن القومي العربي. والركيزة الرابعة، توسيع شبكة التحالفات مع الدول الإقليمية المجاورة كالصين والهند والباكستان تطبيقا لاستراتيجية الاحتواء الإقليمي. وأخيراً تفعيل وتنويع التحالفات الدولية، وعدم اقتصارها على دولة دون الأخرى استناداً لقاعدة المصالح المشتركة في العلاقات الدولية. من هنا أهمية التوجه نحو روسيا وأوروبا للتوازن مع الدور الأمريكي.وخامساً، بلورة رؤية مشتركة مع الإدارة الأمريكية الجديدة، واستعادة الثقة في العلاقات على أساس المصلحة المشتركة. ويبقى العامل الخليجي الداخلي هو الأساس في منظومة العمل الخليجي. ففي مواجهة التحديات المشتركة لا بد من تفعيل دور البنى الوطنية الداخلية ومؤسسات الدولة فيها، والانطلاق نحو رؤية خليجية مشتركة قادرة على التعامل والاستجابة لكافة التحديات الإقليمية والدولية.