الإفتاء المصرية تفند أكاذيب داعش حول مفهوم الحسبة في الإسلام

أصدر مرصد الفتاوى التكفيرية والآراء المتشددة التابع لدار الإفتاء المصرية عدداً جديدًا من نشرة “إرهابيون” يفند فيها مزاعم “ولاية سيناء” الفرع المصري لداعش حول “الحسبة” والذي جاء تحت عنوان: “الحسبة .. حقائق نبوية وأكاذيب داعشية”.
وأكد المرصد أن “الحسبة ولاية يقوم بمقتضاها ولي الأمر والحاكم بتعيين من يتولى مهمة الأمر بالمعروف إذا أظهر الناس تركه، وكذلك النهي عن المنكر إذا أظهر الناس فعله، كل هذا بهدف صيانة المجتمع من الانحراف، وحماية للدين من الضياع، وتحقيقا لمصالح الناس الدينية والدنيوية وفقاً لشرع الله تعالى”.مضيفًا أن نظام الحسبة قد تُرجم في عصرنا الحاضر إلى المؤسسات التي أنشأتها الدولة لذلك من شرطة وجيش وقضاء ومالية وأجهزة رقابية، وبالتالي فالحسبة وظيفة رسمية في الدولة للقيام بالوظائف السابق ذكرها.جاء ذلك في ردِّ مرصد الإفتاء على مقطع الفيديو الذي نشره تنظيم “ولاية سيناء” الإرهابي وهو فرع من تنظيم داعش الإرهابي، بعنوان “نور الشريعة” والذي ركز على نشاط عناصر التنظيم فيما يسمى بـ “الحسبة”، وضم الفيديو الكثير من اللقطات لأنشطة زعم التنظيم قيامه بها في مناطق شمال سيناء منها قتل وقطع الأيدي وهدم الأضرحة وإتلاف وإحراق أجهزة التلفزيون والسيارات وغيرها بدعوى القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.وذكر العدد الجديد من “إرهابيون” أن “نظام الحسبة في الإسلام جاء لصيانة حقوق الله تعالى ورعاية حقوق عباده، حرصا على المجتمع الإسلامي، وليس لإرهاب الناس وقتلهم، وهي وظيفة بالأساس يراقب من خلالها ولاة الأمور والحكام خطوات الناس وأعمال السلطات وتصرفات الحكام حتى يتبين من خلالها مدى التزام الجميع بالشرع الشريف، وهي موجودة منذ عصر النبي صلى الله عليه وسلم وإلى الآن، لكنها تطورت في شكل مؤسسات تراقب وتضبط وغايتها في النهاية تحقيق الكليات الخمسة للشريعة الإسلامية، وعليه فإنها مهمة الدولة وليست مهمة أفراد؛ لأنها إن تركت للأفراد وأهوائهم تحولت لإرهاب ودمار”.وأضافت “إرهابيون” أن من القواعد العامة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن يكون الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر عالمًا بما يأمر به وبما ينهى عنه، وقد ذكر أبو يعلى في المعتمد بقوله: “لا يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر إلا من كان فقيها فيما يأمر به، فقيها فيما ينهى عنه، رفيقا فيما يأمر به، رفيقا فيما ينهى عنه؛ حليما فيما يأمر به، حليما فيما ينهى عنه”.لذلك فقد أوضح المرصد في تفنيده لأكاذيب داعش حول الحسبة والقائمين بالأمر بالمعروف أن “هذه الصفات السابق ذكرها لا توجد في متطرفي داعش في ولاية سيناء، فهم ليسوا أهل علم؛ إذ إن الفيديو في لقطات مختلفة أظهر مجموعة من صغار السن الذين تبدو عليهم السذاجة ولعبت بعقولهم الجماعات المتطرفة وأقنعتهم أن ما يقومون به من قتل وحرق جهاد في سبيل الله، كما أنهم يتعاملون مع غيرهم بنوع من التعالي والغلظة في الفعل ورد الفعل، حيث أظهر الفيديو اللغة الفوقية التي استخدمها المتطرفون تعليقا على لقطات الفيديو بجانب تنصيب أنفسهم أولياء على الناس، واحتكارهم للصواب والحق المطلق”.وبيَّن مرصد الإفتاء أن الفيديو أظهر لقطات لهؤلاء الصبية وهم يهدمون القبور والأضرحة دون مراعاة لحرمة الأموات، لافتاً إلى أنه ليس بمستغرب عنهم هذا؛ فهم لم يراعوا الناس أحياء وبالتالي لن تتحرك الدماء في عروقهم تجاه هؤلاء الناس وهم أموات، مؤكدًا على أن هذه العقلية صدامية لا تقبل الآخر حيا وميتا.ولفت المرصد في رده على هذا الإصدار الجديد لداعش، إلى أن “إعلان داعش لما يسمى الحسبة في سيناء مخالف تماما لما كان عليه السلف الصالح ولأنظمة الدول، حيث تذرعت داعش بأن الحسبة نظام إسلامي معطل وغير معمول به، وهو فرض عين يتوجب عليهم أن يقوموا به باعتبارهم جماعة المسلمين، وأنهم هم من يطبقونه لتقاعس الدول عن القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”.وأضاف المرصد في تفنيده لمزاعم داعش، أن “هذا النوع من الأكاذيب دأب عليها التنظيم لكي يعطي مبررا لأعمال العنف التي يقوم بها؛ ناسين أن نظام الحسبة معمول به في الدول الحديثة، وهو متمثل في الوزارات والأجهزة الرقابية للدولة، وهو تطور طبيعي لما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته رضوان الله تعال عنهم؛ حيث بدأ في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، الذي كان يقوم به وهو رئيس الدولة فيما روي عن أبى هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرّ على صُبْرَة (كومة) طعام، فأدخل يده فيها، فنالت أصابعه بللاً، فقال: “ما هذا يا صاحب الطعام؟”، قال: أصابته السماء يا رسول الله، قال: “أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس؟ من غشّ فليس مني” وهو حرص منه وهو الحاكم على ضبط الأسواق وتهذيب الأخلاق للأمة، مضيفًا أن الأمر تطور وأخذ شكل المؤسسات في عهد الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه”.وعليه فقد أكدت “إرهابيون” أن “ما يقوم به داعش من إعلان الحسبة في بعض مناطق سيناء مخالف تماما لما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام، حيث كانت الحسبة تتم برعاية الدولة التي كانت تُعين المحتسب، وقد ظهرت بصورة مؤسسات في عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، الذي أخذ يطورها، حيث كان دور المحتسب، المعين من الحاكم، مراقبة إقامة الشعائر الدينية ومتابعة مفسري القرآن وهذا دور المؤسسات الدينية في عصرنا الحاضر، طورها إلى مؤسسات تراقب الأسواق والمكاييل بما يسمى في عصرنا الحاضر بجهاز حماية المستهلك”.وأضاف المرصد أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أنشأ مجموعة من الدواوين التي هي بمثابة الوزارات الموجودة الآن ومنها ديوان العطاء الذي تمثله في العصر الحديث وزارة الشئون الاجتماعية وذلك لرفع الأعباء عن الشرائح الفقيرة في المجتمع، وبالنسبة للقضاء فقد أولاه ولاية كبيرة، وجعل كل وال قاضيًا على ولايته، ثم جعلها سلطة مستقلة خشية أن ينشغل بها الوالي عن أمور الرعية في ولايته، أما تأديب المذنبين فقد جعل له مكانًا لإعادة تأهيل المذنبين، ثم دمجهم مرة أخرى في المجتمع وهو ما تعارف عليه فيما بعد بالسجن.أما فيما يتعلق بالناحية الأمنية فقد اهتم بها الرسول صلى الله عليه وسلم بالجيش وذلك لحماية الدولة الإسلامية من العدوان الخارجي، ثم جاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأنشأ قوات لحفظ الأمن الداخلي وهم جماعة العسس النواة الأولى لمنظومة الشرطة المسئولة عن الانضباط الداخلي، وهذا ما عرف في العصر الحديث بمؤسستي الجيش والشرطة المنوط بهما حماية الأمن الخارجي والداخلي للبلاد.وتابعت “إرهابيون”: “ثم بعد اتساع رقعة الدولة الإسلامية أنشأ أمير المؤمنين الدواوين التي هي بمثابة الوزارات الموجودة في عصرنا الحالي والتي كانت تشرف على شئون الدولة فكان هناك ديوان الجند الذي يعادل وزارة الدفاع الآن، وديوان الخزانة التي يعادل وزارة المالية وهكذا، وبالتالي فإن ما تقوم به داعش ممثلة في ولاية سيناء يخالف ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام، وهم آثمون لخروجهم على نظام الدولة”.وقال المرصد إن تسمية داعش للإصدار الجديد بـ”نور الشريعة” لا يخرج على استراتيجيتها في استخدام لغة تدغدغ مشاعر المسلمين، ويحاول استمالة قلوبهم، وإعطاء مشروعية لأفعالهم الإجرامية، وهذه الحيل أصبحت لا تنطلي على جموع المسلمين بعد أن فضحتهم أفعالهم الإجرامية في حق الجميع، كما أكد المرصد أن التنظيم دأب على استخدم مثل هذه المصطلحات مثل “جند الله” “جند الخلافة” “الطائفة المنصورة” “أشبال جند الخلافة” وغيرها من المسميات التي غالبا ما تستلهم اسما من التراث وإلصاقه بتنظيمهم بهدف إضفاء لون من المشروعية عليهم وعلى أفعالهم.وفي ختام العدد الجديد من “إرهابيون” أكد المرصد على أن “الجماعات المتطرفة تحاول أن تخلق دولة موازية للدولة، وخلق حالة من الرخاوى في بعض المناطق لإحداث ذبذبة وخلخلة في بعض المناطق من شأنها تقليل وامتصاص ضربات الجيش ضدها، كأن تعلن نظام الحسبة وبسط سيطرتها على بعض مناطق؛ لخلق حالة من الخلل ولخلق حالة من عدم الاتزان لدى المواطنين، وبالتالي تضمن عدم مقاومة من المواطنين القاطنين في المناطق التي تسيطر عليها، ثم تصور هذا الخلل وإذعان الناس على أنه قبول لها ولأفعالها، وهذا مجاف تمامًا للحقيقة”.